رسالة إلى الرئيس المكلّف


يريدون لك أن تكون رئيسًا إصلاحيًا. أن تكافح الفساد. أن تضمن الرقابة والشفافية. وأنا أتمنى ألا ترضى بذلك. فالتحديد شرط الوضوح، والتشخيص شرط العلاج. تجدي هذه العناوين نفعًا بوجود دولة حقيقية، أي حين تحصل عملية اتخاذ القرار داخل المؤسسات القضائية والتشريعية والتنفيذية. أمّا في نظامنا الزعاماتي، حيث تكمن علاقات السلطة التي تدير المجتمع فعلََا خارج مؤسسات الدولة، أي إنّ القرار يناقش ويؤخَذ، إذا اتّخذ، عند زعيم الطائفية وحليفه البنكرجي وراعيه الأجنبي، فهل تصلح وتكافح وتراقب مؤسسات شكلية؟


ما يحتاجه لبنان أمر مختلف تماماً. ما يحتاجه هو انتقال السلطة من هذه الشبكة الزعاماتية-البنكرجية-الخارجية إلى سلطة دولة. وعندك، حضرة الرئيس المكلف، هامش ما من التحرك يتيح لك العمل للتأثير على موازين القوى باتجاه فرض هذا الانتقال، أي باتجاه تبنّي سياسات تعدّل علاقات السلطة فتعدّل شكل المجتمع إذ ترسي شرعية جديدة: شرعية دولة.
من هذه السياسات تعداد السكان. فتعداد عام 1932 الذي حدد حجم الطوائف، لم يضع أساسًا لحرب أهلية فحسب، بل رسّخ منطقاً قبلياً حكم نظرتنا إلى أنفسنا وإلى بعضنا حتى اليوم. فهل تدفع، حضرة الرئيس المكلف، لإجراء تعداد سكان جديد، يرسي لمنطق جديد؟ هل تدفع لإجراء تعداد لا يسأل عن نَسَبنا بل عن مصالحنا؟ يسأل عن علمنا وعملنا وصحتنا فيضع الأساس لسياسات اقتصادية ويصبح لعبارة «الاقتصاد المنتج» بداية معنى؟ يسأل أين نقيم عوض أن يسأل أين كان جدنا يقيم منذ مئة عام، فيضع الأساس لقانون انتخابي على أساس السكن لا الانتماء المناطقي؟ قانون يكشف واقعنا المادي فيحدد نظرة جديدة إلى أنفسنا وإلى بعضنا بصفتنا كتلَ مصالح لا طوائف، ويستبدل القلق المتخيل من الآخر بقلق حقيقي على واقعنا الملموس، ويفرض تلقائيًا، داخل المجتمع بل على الزعماء أنفسهم، خطابًا مختلفًا يتمحور حول حقوقنا والسياسات المثلى لضمانها؟

عندك هامش ما يتيح لك العمل للتأثير على موازين القوى باتجاه تبنّي سياسات تعدّل علاقات السلطة فتعدّل شكل المجتمع إذ ترسي شرعية جديدة: شرعية دولة


ومن هذا السياسات التعليم المجاني والتغطية الصحية الشاملة. فأي إمكانية لانتقال السلطة من الزعيم إلى الدولة، وماذا تعني الديموقراطية ونزاهة الانتخابات، وأي قوانين تصون استقلالية القضاء أو حرية التعبير، ما دام المواطنون بحاجة إلى الزعيم لتأمين التعليم لأولادهم والطبابة لأهلهم؟ فهل تدفع، حضرة الرئيس المكلف، باتجاه السياستين الاجتماعيتين هذه، فتعتقنا من رعاة قطعاننا؟ وهل تتجرّأ فتشمل كل المقيمين، من سوريين وفلسطينيين وغيرهم، فتعتقهم من حاجتهم إلى جمعياتهم وفصائلهم وشاويشهم و«مسترهم» و«مادامهم»، فتعدّل علاقات السلطة وترسي شرعية الدولة حتى في عيون هؤلاء، عوض فسح المجال لمخابرات العالم لاختراق، بل استباحة، مجالهم، أي مجالنا، تحت ستار المساعدات الإنسانية لبشر تخلّت عنهم الدولة «المسؤولة» عن إدارة شؤونهم؟


ومن هذه السياسات كل ما يحدّ من نزيف الهجرة. فاللبنانيون المعتاشون من ثروات الخليج وأوروبا والولايات المتحدة تربطهم علاقة مصالحية بالدول المستضيفة لهم فيما تربطهم علاقة عاطفية بلبنان، فيهتمون بالخيارات الاقتصادية ويقترعون على أساسها هناك في حين يهتمون بخير العائلة والضيعة، أي بخير المنطقة وبالتالي الطائفة، هنا. فبالإضافة إلى بناء شبكة أمان اجتماعية عبر التعليم والتغطية الصحية وغيرها، هل تدفع، حضرة الرئيس المكلف، لضرائب على الشقق الفارغة في لبنان فتسهّل البقاء إذ تنخفض الإيجارات، واضعًا حدًا لسياسة إعمار البيوت وشرائها المَرَضية والتهجيرية؟ وهل تدفع بوضع ضرائب على دخل كل اللبنانيين أينما أقاموا، كما تفعل الولايات المتحدة على سبيل المثال، فتثني عن الهجرة؟ وهل تدفع باتجاه فرض تعديل مناهج مدارسنا ومعاهدنا وجامعتنا فتتناسب مع حاجات مجتمعنا لا مع مصالح مجتمعات أخرى؟


وأخيرًا وليس آخر، من هذه السياسات توزيع الخسائر. فهل تتجرّأ، حضرة الرئيس المكلف، وتدفع باتجاه تحميل من تآمر مع الزعيم ففتّت مجتمعنا وصولًا إلى أزمة الـ2019، أي البنكرجي، عبء تمويل انتقال السلطة من نظام طوائفهم ومصارفهم إلى نظام دولتنا؟
طبعًا، التحدي هائل. لكن تحدي إدارة هذا البلد هائل، وها قد قبلتَه. قد لا تستطيع، بمفردك، تفكيك علاقات السلطة القائمة وفرض الانتقال إلى دولة. تمامًا كما لم يكن في مقدورك أن توقف الإبادة في فلسطين، لا بمفردك ولا مع زملائك الشرفاء؛ غير أنك استغليت هامش الحركة المتاح أمامك، واتخذت الموقف الصائب، فسجلت اسمك في التاريخ وأسهمت في تعديل موازين القوى باتجاه وقف الإبادة.


واليوم، ها هو هامش حركة جديد متاح أمامك. فإما أن تهدره في شعارات بالية، أو أن تستغلّه في مشروع سياسي جذري، يطوي الصفحة على عقود من البؤس والظلم، ومن شأنه أن يجنّد إلى جانبك كتل مصالح تعوّدت على الشعارات الفارغة فرقدت، إلى أن تستيقظ.
فهنيئًا لك، حضرة الرئيس المكلف، بالفرصة المتاحة أمامك لوضع رصيدك، وهو ليس بقليل، في مشروع لمواجهة الشرعية القائمة وإرساء شرعية جديدة. وهنيئًا لك ولنا إذا اخترت المواجهة.

* كاتب

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي